الخطيب الشربيني
44
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
على ما أمضى له من الرسالة ، فيحتمل أن تكون تلك العقدة باقية عند الرسالة ، وأن تكون قد زالت عند الدعوة ، ولكن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال ، وهارون كان بتلك الصفة فأراد أن يقرن به ، ويدل عليه قوله تعالى : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً [ القصص : 34 ] ومعنى فأرسل إلى هارون : أرسل إليه جبريل واجعله نبيا وآزرني به واشدد به عضدي ، وهذا الكلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع وقد أحسن في الاختصار حيث قال : فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء ، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى : فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً [ الفرقان ، 36 ] حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها وهما الإنذار والتدمير ، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله فأراد الله إلزام الحجة عليهم فبعث إليهم رسولين فكذبوهما فأهلكهم . فإن قيل : كيف ساغ لموسى عليه السّلام أن يأمره ربه بأمر فلا يقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل ، وقد علم أن الله تعالى عليم بحاله ؟ أجيب : بأنه قد امتثل وتقبل ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته فمهد قبل التماسه عذرا فيما التمسه ثم التمس بعد ذلك ، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر ولا بتعلل فيه ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل . ثم زاد في الاعتذار في طلب العون خوفا من أن يقتل قبل تبليغ الرسالة بقوله : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي : تبعه ذنب فحذف المضاف ، أو سمى باسمه كما يسمى جزاء السيئة سيئة وهو قتله القبطي وسماه ذنبا على زعمهم ، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع . فَأَخافُ بسبب ذلك أَنْ يَقْتُلُونِ أي : يقتلونني به . قالَ الله تعالى كَلَّا أي : ارتدع عن هذا الكلام فإنه لا يكون شيء ، مما خفت لا قتل ولا غيره ، وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام عليه من الصدق من البراهين المقوية لصاحبها الشارحة لصدره العلية لأمره عدّ عدما ، وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك . فَاذْهَبا أي : أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتك به مؤيدين بِآياتِنا الدالة على صدقكما . تنبيه : فَاذْهَبا عطف على ما دلّ عليه حرف الردع من الفعل كأنه قيل : ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك بآياتنا إِنَّا أي : بما لنا من العظمة مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ أي : سامعون لأنه تعالى لا يوصف بالمستمع على الحقيقة لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية ، ومنه قوله تعالى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [ الجن ، 1 ] ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه : أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه البرم » « 1 » وهو الكحل المذاب ويروى : البيرم وهو بزيادة الياء ، فإن قيل : لم قال معكم بلفظ الجمع وهما اثنان ؟
--> ( 1 ) يروى : « صب في أذنية الآنك » والحديث أخرجه البخاري في التعبير حديث 7042 ، وأحمد في المسند 1 / 126 ، 359 .